مقال بعنوان : مرحلة (0–3 سنوات): الأساس الذهبي لنمو الطفل وتطوره**
بقلم : د. ليلى الهاشم عضو الجمعية العمومية
دكتوراه في التربية – تخصص مناهج وطرق تدريس مرحلة الطفولة المبكرة
تُعد مرحلة الطفولة المبكرة، وبخاصة من عمر (0–3) سنوات، من أهم المراحل في حياة الإنسان، حيث تتشكل خلالها أسس النمو المعرفي والحركي والاجتماعي. وعلى الرغم من اعتقاد الكثير أن احتياجات الطفل في هذه المرحلة تقتصر على رعاية الطفل فقط من تنويم وتأكيل وتنظيف، فإن الدراسات التربوية الحديثة تؤكد أنها مرحلة هامة في تعليم الطفل و تطوير قدراته. وقد وصفت الدكتورة ماريا مونتيسوري عقل الطفل في مرحلة (0-6) سنوات بـ “العقل الماص"، حيث يمتص الطفل الخبرات من بيئته المحيطة كما تمتص الإسفنجة الماء، مما يجعل جودة البيئة المقدمة له عاملاً أساسياً في نموه.
**بداية التعلم منذ اللحظات الأولى**
يبدأ تعلم الطفل منذ ولادته، بل وقد يمتد إلى ما قبل ذلك خلال فترة الحمل، حيث يتأثر بما تسمعه الأم من أصوات وقراءات. وبعد الولادة، يتعزز هذا التعلم من خلال التفاعل الحسي، مثل اللمس والاحتضان، والتواصل البصري، واستخدام اللغة السليمة في الحديث مع الطفل. كما يُعد توفير القصص المناسبة لعمره وسيلة فعالة لتنمية مهاراته اللغوية والإدراكية منذ وقت مبكر.
**تهيئة البيئة الآمنة والداعمة**
مع بداية حركة الطفل، سواء بالحبو أو المشي، تبرز أهمية تهيئة البيئة المنزلية أو بيئة الحضانة بما يتناسب مع احتياجاته. ويشمل ذلك تأمين مكان آمن من خلال تغطية مقابس الكهرباء، وإبعاد الأدوات الحادة أو القابلة للكسر، والتخلص من المواد الخطرة مثل المنظفات والأدوية من متناول يده. فالطفل في هذه المرحلة يكون في طور الاستكشاف، ولا يمتلك القدرة على إدراك المخاطر، مما يجعل البيئة الآمنة ضرورة لا غنى عنها.
**الأنشطة المناسبة لتنمية المهارات**
لا يقتصر دور البيئة على الحماية فقط، بل يجب أن تكون محفزة وغنية بالأنشطة التي تدعم نمو الطفل. ومن المهم تخصيص ركن يحتوي على أنشطة متنوعة تناسب مرحلته العمرية، وتُعرض بطريقة منظمة تتيح له الاختيار بحرية. ومن أبرز هذه الأنشطة:
-ألعاب إدخال الأشكال والمكعبات في أماكنها الصحيحة في الصندوق
-الأحجيات البسيطة (البازل) لتنمية التفكير وحل المشكلات
-كرات ومواد ذات ملامس مختلفة لتنمية الحواس
أنشطة حياتية بسيطة مثل تنظيف مرآة باستخدام بخاخ ماء ومنشفة
-قصص مصورة وجذابة تنمي اللغة وحب القراءة
ويُفضل تنظيم هذه الأنشطة بحيث يكون كل نشاط في صندوق مكشوف أو صينية مستقلة، موضوعة على رف يسهل وصول الطفل إليه، مما يعزز لديه النظام والاستقلالية.
**تعزيز الاستقلالية لدى الطفل**
تُعد تنمية الاستقلالية من أهم الجوانب التربوية في هذه المرحلة. فطفل بحوالي عمر العامين يميل إلى الاعتماد على نفسه، مثل رغبته في تناول الطعام بمفرده أو المساعدة في الأعمال البسيطة. ومن هنا، ينبغي على الوالدين دعم هذه الرغبة وتشجيعها، حتى وإن صاحبها بعض الفوضى. ويمكن تعزيز هذا الجانب من خلال توفير أدوات مناسبة لحجمه، كالمكنسة الصغيرة أو أدوات الترتيب، وتشجيعه على تحمل مسؤوليات بسيطة مثل إعادة ألعابه أو رمي مخلفاته البسيطة في سلة القمامة.
**أهمية التدخل المبكر في تنمية الطفل**
إن الاستثمار في السنوات الأولى من عمر الطفل يُعد استثمارًا طويل الأمد في مستقبله. فكلما بدأنا مبكرًا في توفير بيئة غنية ومحفزة، ساهمنا في تنمية الوصلات العصبية في دماغه، مما ينعكس إيجابًا على تطوره في مختلف مجالات النمو، سواء المعرفية أو الحركية أو الاجتماعية. لذا، لا ينبغي الانتظار حتى التحاق الطفل بالروضة لبدء تعليمه، بل يجب أن تبدأ عملية التعلم منذ الأيام الأولى.
لذلك تمثل مرحلة (0–3) سنوات حجر الأساس في تشكيل قدرات الطفل المستقبلية. ومن خلال توفير بيئة آمنة، غنية بالخبرات، وداعمة للاستقلالية، يمكن للمربين أن يسهموا بفاعلية في تنشئة جيل متوازن وقادر على التعلم والتطور. إن الاهتمام بهذه المرحلة ليس خيارًا، بل ضرورة تربوية تضمن لأطفالنا بداية قوية نحو مستقبل واعد (بإذن الله).
