مقال بعنوان : الذكاء الذي لا تقيسه الدرجات
بقلم : د. عائشة العمير عضو الجمعية العمومية
تخيّل طفلين يجلسان في نفس الفصل. الأول يحمل أعلى المعدلات، لكنه يعجز عن السيطرة على غضبه أو تكوين صداقة واحدة، ويتفتت من الداخل حين تواجهه أول عقبة حقيقية. في المقابل، الثاني ربما لا يتصدّر قوائم المتفوقين، لكنه يفهم مشاعره جيدًا، ويتحدث عن ألمه دون أن ينهار، ويمشي بين الناس بثقة هادئة لا يمنحها أي كتاب.
أيّهما أكثر استعدادًا للحياة؟
الإجابة لا تحتاج إلى تفكير طويل، لكنها تحتاج إلى إعادة نظر في كيف نربي؟ وماذا نقيس؟ وبأي ميزان نحكم على أطفالنا؟ وأي صورة نرسمها لهم عن النجاح قبل أن يعرفوا معناه الحقيقي؟
إن فرصًا عظيمة تُضاع على الأبناء حين يُحصر الاهتمام بهم في التحصيل الدراسي وحده، دون أن تُفتح لهم نوافذ أخرى، أو يُتاح لهم فضاء أرحب. فقد يمتلك طفلك ذكاءٌ اجتماعيًا يفوقك، أو موهبة تسبق عمره بسنوات، أو قدرة على التعاطف والتأثير فيمن حوله لا تظهر في أي اختبار، لكننا لا نراها لأننا لا نبحث عنها، فسأل دومًا: "كم أخذت في الرياضيات؟" ولا نسأل أبدًا: "كيف تعاملت مع موقف صعب اليوم؟" كأن الحياة كلها امتحان بأسئلة محددة وإجابات معروفة مسبقًا.
الإجابة تحتاج إلى أن نتوقف عند المفتاح الذي يفسر هذا كله، وهو الذكاء العاطفي. الذكاء العاطفي هو قدرة الطفل على فهم مشاعره، والتعبير عنها بطريقة مناسبة، وتنظيمها، إضافة إلى إدراك مشاعر الآخرين والتفاعل معها بشكل متوازن. وهو مهارة تُبنى وتُصقل مع الوقت، وتترك أثرها في كل علاقة يخوضها الطفل وكل موقف يمر به. الذكاء الأكاديمي يفتح أبواب الاختبارات، أما الذكاء العاطفي فيفتح أبواب الحياة؛ وهذا فرق لا تكشفه أي ورقة امتحان، ولا يُرى بمصباح العلامات المدرسية.
إنه بهذا النهج تنشأ أجيال كاملة على قوالب التوقعات المفروضة، وتضيق أمام أرواح الأبناء المنافذ التي كان يمكن أن تتسرب منها عظمتهم الحقيقية إلى الدور.
وفي الحقيقة، قد ينسى طفلك معادلات الكيمياء وتواريخ الحروب، لكنه لن ينسى أبدًا كيف كان يشعر، وكيف ثم التعامل مع مشاعره. لذلك، تنمية الذكاء العاطفي ليست كمالًا يُضاف إلى التربية، بل ضرورة لبناء إنسان متوازن. لأن الهدف لم يكن يومًا أن تُخرّج طفلًا يجيد الاختبارات، بل إنسانًا يجيد الحياة.
